العيني
179
عمدة القاري
للبخاري : ( فلبستها للعيد وللوفود ) ، وفي رواية الشافعي : فلبستها للجمعة والوفود ) ، وهو جمع : وفد ، والوفد جمع : وافد ، وهو القادم رسولاً وزائرا منتجعا أو مسترفدا . قوله : ( إنما يليس هذه من لا خلاق له ) ، وفي رواية : ( إنما يلبس الحرير ) ، ويلبس بفتح الباء الموحدة ، والخلاق : الحظ والنصيب من الخير والصلاح . وقال ابن سيده : لا خلاق له ، يعني : لا رغبة له في الخير . وقال عياض : وقيل : الحرمة ، وقيل : الدين ، فعلى قول من يقول : النصيب والحظ ، يكون محمولاً على الكفار ، وعلى القولين الأخيرين يتناول المسلم والكافر . قوله : ( منها ) ، أي : من الحلة السيراء ، والضمير في : منها ، الثاني يرجع إلى الحلل . قوله : ( في حلة عطارد ) ، بضم العين المهملة وتخفيف الطاء المهملة وكسر الراء وفي آخره دال مهملة : وهو عطارد بن حاجب بن زرارة بن زيد بن عبد الله ابن درام بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم ، وفد على النبي صلى الله عليه وسلم سنة تسع وعليه الأكثرون ، وقيل : سنة عشر ، وهو صاحب الديباج الذي أهداه للنبي صلى الله عليه وسلم ، وكان كسرى كساه إياه فعجب منه الصحابة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لمناديل سعد بن معاذ في الجنة خير من هذا ) . وقال الذهبي : له وفادة مع الأقرع والزبرقان ، ذكره في ( كتاب الصحابة ) وكان عطارد يقيم بالسوق الحلل أي : يعرضها للبيع ، فأضاف الحلة إليه بهذه الملابسة ، وقال أبو عمر : قال أيوب : عن ابن سيرين : حلة عطارد أو لبيد على الشك . قوله : ( فكساها عمر ) ، أي : فكسا الحلة التي أرسلها النبي صلى الله عليه وسلم ( أخا له بمكة مشركا ) وانتصاب : أخا ، على أنه مفعول ثان : لكسا ، يقال : كسوته جبة ، فيتعدى إلى مفعولين أحدهما غير الأول . قوله : ( له ) في محل النصب لأنه صفة لقوله : ( أخا ) تقديره أخا كائنا له ، وكذلك : بمكة ، في محل النصب ، ومشركا أيضا نصب على أنه صفة بعد صفة . قيل : إنه أخوه من أمه . وقيل : أخوه من الرضاعة . وفي النسائي و ( صحيح أبي عوانة ) : ( فكساها أخا له من أمه مشركا ) ، واسمه : عثمان ابن حكيم ، وقد اختلف في إسلامه ، قاله بعضهم . قلت : وفي رواية للبخاري : أرسل بها عمر ، رضي الله تعالى عنه ، إلى أخ له من أهل مكة قبل أن يسلم ، وهذا يدل على إسلامه بعد ذلك . وأما الذي يستفاد منه : فعلى أوجه : الأول : فيه دلالة على حرمة الحرير للرجال ، قال القرطبي ، رحمه الله : اختلف الناس في لباس الحرير ، فمن مانع ومن مجوز على الإطلاق ، والجمهور من العلماء على منعه للرجال ، وقد صح أنه ، صلى الله عليه وسلم قال : ( شققها خمرا بين نسائك ) ، وعن أبي موسى الأشعري : أن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم قال : ( حرم لباس الحرير والذهب على ذكور أمتي وأحل لإناثهم ) . وقال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح : ( وعن عمر ، رضي الله تعالى عنه أنه خطب بالجابية فقال : نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الحرير إلاّ موضع إصبعين أو ثلاث أو أربع ) . وقال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح . الثاني : فيه جواز البيع والشراء على أبواب المساجد . الثالث : فيه مباشرة الصالحين والفضلاء البيع والشراء ، . الرابع : فيه جواز ملك ما لا يجوز لبسه له ، وجواز هديته وتحصيل المال منه ، وقد جاء : ( لتصيب بها مالاً ) . الخامس : فيه ما كان صلى الله عليه وسلم عليه من السخاء والجود وصلة الإخوان والأصحاب بالعطاء . السادس : فيه صلة للأقارب الكفار والإحسان إليهم ، وجواز الهدية إلى الكافر . السابع : فيه جواز إهداء الحرير للرجال لأنها لا تتعين للبسهم . فإن قلت : يؤخذ منه عدم مخاطبة الكفار بالفروع حيث كساه عمر ، رضي الله تعالى عنه ، إياه ؟ قلت : هذه حجة الحنفية ، فإن الكفار غير مخاطبين بالشرائع عندهم . وقالت الشافعية : يؤخذ منه ذلك لأنه ليس فيه الإذن ، وإنما هو الهدية إلى الكافر ، وقد بعث الشارع ذلك إلى عمر وعلي وأسامة ، رضي الله تعالى عنهم ، ولم يلزم منه إباحة لبسها لهم ، بل صرح صلى الله عليه وسلم بأنه إنما أعطاها لينتفع بها بغير اللبس ، حيث قال صلى الله عليه وسلم : ( تبيعها وتصيب بها حاجتك ) . الثامن : فيه عرض المفضول على الفاضل ما يحتاج إليه من مصالحه التي لا يذكرها . التاسع : فيه أن من لبس الحرير في الدنيا من الرجال والنساء ظاهره أنه يحرم من ذلك في الآخرة ، لأن كلمة : من ، تدل على العموم وتتناول الذكور والإناث ، لكن الحديث مخصوص بالرجال لقيام دلائل أخرى بإباحته للنساء ، وأما مسألة الحرمان في الآخرة فمنهم من حمله على حقيقته ، وزعم أن لابسه يحرم في الآخرة من لبسه سواء تاب عن ذلك أو لا ، جريا على الظاهر ، والأكثرون على أنه لا يحرم إذا تاب ومات على توبته . العاشر : فيه استحباب لبس الثياب الحسنة يوم الجمعة ، وروى أبو داود من حديث ابن سلام ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما على أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم الجمعة سوى ثوبي مهنته ؟ ) . وروى ابن ماجة من حديث عائشة ، رضي الله تعالى عنها ، قالت : قال رسول